انتظر اللبنانيون مبادرة خارجية، وتحديداً من حاكم إمارة الشارقة سلطان بن محمد القاسمي، لتنظيم مهرجان وطني خاص بالمسرح، القطاع الثقافي المهدّد كما غيره في هذه البلاد. أفضى الاتفاق بين «الهيئة العربية للمسرح» ووزارة الثقافة اللبنانية قبل أشهر إلى ولادة «مهرجان لبنان الوطني للمسرح» الذي يديره الممثل رفيق علي أحمد. كما تشكّلت لجنة عليا للإشراف والتنفيذ، تتألف من مدير عام الشؤون الثقافية علي الصمد، وأمين السرّ عبيدو باشا، والأعضاء: فائق حميصي، وإحسان صادق، ونعمة بدوي، ونقولا دانيال، وبديع أبو شقرا. أما لجنة المشاهدة التي حدّدت العروض التي سنشاهدها بدءاً من الليلة (20:00) على خشبة «مسرح المدينة»، فضمّت المسرحية عليّة الخالدي، والمخرج جاك مارون، والصحافي جوزيف طوق.

 

الدورة الأولى المستمرّة لغاية العاشر من كانون الأوّل (ديسمبر)، تحمل اسم المسرحي والممثّل اللبناني أنطوان كرباج (1935 ـ راجع مقال الشاعر زاهي وهبي في الصفحة)، فيما يتألّف البرنامج من سبعة عروض (راجع «البرنامج») مختارة من بين الإنتاجات التي احتضنتها المسارح اللبنانية في الأمس القريب، على أن تتبعها ندوات ونقاشات.
البداية ستكون مع «البحر أيضاً يموت» (2018) لأنطوان الأشقر، يليه غداً الثلاثاء «وهم» (2018) لكارلوس شاهين، قبل أن يحين دور «البيت» (2018 ـ الأربعاء) لكارولين حاتم. في 6 كانون الأوّل (ديسمبر) الحالي، تقدّم بيتي توتل مسرحيّتها «فريزر» (2017)، تتبعها باتريسيا نمور في اليوم التالي مع «شخطة شخطتين» (2018)، ثم «حكي رجال» (2018 ــ 8/12) للينا خوري، فـ «الجنرال» (2016 ــ 9/12) لسحر عسّاف. أما الاحتفال الختامي، فسيضم إلى جانب إعلان الفائزين عرضاً خاصاً من خارج المسابقة لمسرحية «مأساتي» (2018) لعصام بو خالد، على أن تُقسّم الجوائز على الفئات التالية: أفضل تأليف، وأفضل إخراج، وأفضل سينوغرافيا، وأفضل ممثّل، وأفضل ممثلة، وأفضل تأليف موسيقي ومؤثرات، بالإضافة إلى جائزة «الهيئة العربية للمسرح» لأفضل عمل. مهمّة اختيار الرابحين ستُلقى على عاتق أربع أعضاء «حرص» المنظمون على أن يكونوا مسؤولي أقسام المسرح في أربع جامعات لبنانية، هم: المخرجة لينا أبيض من «الجامعة اللبنانية الأميركية»، والممثل والمخرج ميشال جبر من «جامعة القديس يوسف»، ولينا سعادة جبران من «جامعة الروح القدس» (الكسليك)، والممثلة جوليا قصّار من «الجامعة اللبنانية»، برئاسة الشاعر والصحافي عبده وازن.
في اتصال مع «الأخبار»، يوضح رفيق علي أحمد أنّ لجنة المشاهدة انتقت مسرحيات محلية خالصة أُنتجت خلال السنتين الماضيتَيْن وتوخّت «الحفاظ على مستوى معيّن من مقوّمات العمل المسرحي الجدّي»، فجاءت النتيجة باقة «غنيّة ومنوّعة» لناحية المواضيع (المشاعر الإنسانية ــ العلاقات بين الناس ــ الصعوبات والضغوط الاجتماعية ــ سياسة…)، والأسلوب، والنوع، متأرجحة بين الواقع والخيال. لكن لمَ أُطلق اسم القدير أنطوان كرباج على الدورة الأولى؟ «كنّا نريد أن نكرّم في الانطلاقة روّاد المسرح اللبناني الأحياء، غير أنّنا فضّلنا ألا نعلّي السقف لأنّنا لا نزال في بداية المشوار. وحين اقترحنا اختيار اسم واحد فقط، أجمعنا على كرباج الذي لطالما كان مثلي الأعلى»، يقول علي أحمد، مضيفاً: «باختصار، إنّه من أيقونات الخشبة اللبنانية، ورافق مرحلتها الذهبية، كما أنّه ممثل تلفزيوني ومسرحي استثنائي، فضلاً عن حضوره الاجتماعي ومواقفه البارزة على مختلف الأصعدة».

استبعاد أسماء ونصوص لا تروق لمعالي الوزير وخليته الرقابية

وعن إطلاق مهرجان مسرحي لبناني في ظلّ تردّي وضع المسرح العربي عموماً والمحلي خصوصاً، يشدّد بطل مسرحية «الجرس» على أنّ هذا الواقع هو انعاكس طبيعي لحال المنطقة ككل في ظل «تغييب مقصود للثقافة العربية وكل ما يمت للعقل العربي بصلة… هناك تعمّد لتطييف وتجهيل شعوبنا وإبعادها عن تاريخها وحضارتها. هذه ليست نظرية مؤامرة، بل واقع معاش». إلا أنّه يشير في الوقت نفسه إلى وجود «شباب يتمتعون بمنسوب عالٍ من الطاقة والحماس والشغف للعمل على الخشبة وإنتاج الفنّ ولو باللحم الحي. وهذا واضح في زيادة أعداد الأعمال في السنوات الأخيرة، تزامناً مع تأسيس فضاءات مسرحية في أطراف بيروت وخارجها، رغم الغياب شبه التام للدولة». وبرأي رفيق علي أحمد، من المفيد والضروري مساندة هذه التجارب وربّما في المستقبل دعمها عن طريق الإنتاج أيضاً، مؤكداً أنّ على أهل المهنة «عدم الانكفاء والاستسلام للإحباط والأوضاع المزرية الحالية»، داعياً إلى «التحلّق حول هذه التجربة، آملاً من طلّاب ومحبّي المسرح المشاركة في الحدث».
تبقى هناك علامات استفهام حول معنى ارتباط مهرجان المسرح اللبناني بوزارة الثقافة، علماً أن دورها الفعلي معدوم، تمويلاً وبرمجةً وتنظيماً ورسماً للسياسات الثقافية. فالأرجح أن حضورها هنا يبقى صوَرياً، إذ تشترط الجهة الممولة في مثل هذه الحالات («الهيئة العربية للمسرح» في الشارقة، هنا) وجود شريك رسمي لها في لبنان. وللأسف، هذا يسمح للوزارة أن تعوّض بطريقة شكليّة واستعراضية، عن غيابها المديد وتقصيرها وانقطاعها عن دعم الإنتاج الثقافي في لبنان، ولعب دورها في خلق فضاءات التفاعل، وإيصال الثقافة إلى الجمهور. وقد تكون النتيجة الوحيدة لحضورها الصوَري المقحم في «مهرجان المسرح»، هو خوّة الأمر الواقع، وممارسة الكيدية والرقابة، من خلال استبعاد الأسماء والإبداعات والنصوص التي لا تروق لمعالي الوزير وخليّته الرقابية.

* «مهرجان لبنان الوطني للمسرح»: بدءاً من اليوم لغاية 10 كانون الأوّل ــ 20:00 ـــ «مسرح المدينة» (الحمرا ــ بيروت). الدعوة عامة. للاستعلام: 01/753010