المسرحية السويسرية “أنت وأنا”: التغريد خارج المألوف | صور

تجربة حداثية جديدة قدمتها الفرقة السويسرية “مومانشانز” في عرض “أنت وأنا”، ضمن افتتاح مهرجان القاهرة الدولي للمسرح المعاصر والتجريبي في دورة اليوبيل الفضي، من تأليف السويسرية الإيطالية “فلوريانا فراستو”، وإخراج “ماركوس سيمين”، قبيل العرض، ترجو مؤلفة الفرقة السويسرية الإيطالية فلوريانا فراستو – وهي شخصية عفوية كوميديانة – الجمهور “أرجوكم كونوا صبورين، نحن نقوم ببعض التمارين ونريد أن تشاركونا فيها”، فتقاطعها إحدى المتفرجات “كم مدة العرض”، ترد المخرجة أسفةً “٨٠ دقيقة”، وهي مدة تمثل تحديًا كبيرة بالنسبة للجمهور والفرقة الصامتة. الصمت يبدد حواجز اللغة وتصبح لغة الجسد هي الوسيلة الوحيدة الأكثر مرونة في التواصل الثقافي، يمتليء المسرح بعشرات الجنسيات، لكنهم يضحكون في آن واحد، ويصفقون في آن واحد، ويتجاوبون مع الأشياء الغريبة التي تستخدمها الفرقة ويفهمون تنمرها وغضبها وهزلها وغيرتها وجرأتها أحيانًا، إذ استطاع العرض من خلال أشياء غير حقيقية بسيطة أن يرسل تعبيرات إنسانية بدون وجوه بشرية حقيقية. حتى بدا العرض من هزله واستخدامه للكوميديا الأدائية من خلال حركات الجسد للممثلين، أو الأقنعة والأزياء أنه موجه للأطفال دونما الكبار، إلا أنه يحمل في مضمونه معنى عميق، مقدمًا تجربة ثائرة على الأساليب التقليدية المسرحية. “أنت وأنا”، ليس عرضًا واحدًا ينطوى على قصة متصلة لها بداية ونهاية، وحبكة درامية، هو بالأدق مجموعة اسكتشات تربطهم فكرة واحدة، فبالرغم من تداعي دور الإنسان أو الكائن الحي في العرض وبروز أشياء وحيوانات وكائنات أخرى تحل محله، لكنه يظل المحرك الرئيسي والأساسي، لذا يمكن أن يؤوّل العرض المسرحي التجريبي بأنه مشغول بعلاقة الإنسان بالآخر، أو الأشياء وتناقضتها، أو بمعنى آخر الثنائيات، التي برغم اختلافها إلا أن الكمال الحقيقي لهذه العلاقة في تباينها. في البداية يحاول كفين إلى تجاوز الأداء على خشبة المسرح والالتحام بالجمهور ومداعبته ولفت انتباهه بالتقليد والتلامس، وهي محاولة لاستدراج الجمهور إلى اسكتشات مبتكرة متتالية، تناقش القضية سالفة الذكر، فمثلًا؛ تحاول دودة أن تلحق بورقة شجر متحركة، ويسعي قنديل البحر الي لفت نظر أنثاه، وعراك زوجان ذوات وجوه من الصلصال ينتهي إلى التصالح وصراع اثنين ذوات أيضًا وجوه من آلة الكمان، ينتهي أيضًا بأن صوت موسيقاهما مصدرها قوس منحني واحد، في دلالة على التكامل والترابط. “شيئًا من الجنون”.. هكذا يبدي الناقد اللبناني الدكتور هشام زين الدين، إعجابه الشديد بالعرض السويسري، إذ يرى أن الممثل الحقيقي في العرض ليس بطلًا بالمعنى التقليدي الكلاسيكي، هو موجود، حيث يقوم على تحريك الأشياء، ويعتقد أن هذه التجربة يجب أن تكون ملهمة، فقد بات الفن اليوم يغرد خارج المألوف، ويتجه المسرح العالمى إلى ذلك بقوة، فبرغم الابتكارات الأدائية إلا أن العرض يحمل مقومات الدراماتولجيا، فلا يخلو من الحكايات والقصص القصيرة ولكن بشكل يختلف عن المسرح التقليدى. ويحسب للعرض – كما يضيف الناقد اللبناني – قدرته على كيفية إيصال الفكرة بدون التمثيل التقليدي بدون المعاناة والشخصيات المكتوبة في النص، فهذا نوع آخر من المسرح مغرق فى الحداثة. وعن القدرة الإخراجية للعرض، يقول الناقد الكويتي علاء الجابر “منذ البداية كان يشىء العرض بوجود قدرة إخراجية عالية حيث يوجد اشتغال على التفاصيل الدقيقة، هذا العرض يصلح للكبار و الاطفال في آن واحد، وبالرغم من أن العرض 80 دقيقة إلا أن المتلقي لم يشعر بأي ملل”. ظهرت الفرقة “مامنشانز” المشهورة باستخدامها للأقنعة الغريبة والأشكال والأنوار والظلال وعروض الباليه عام 1972م في باريس بفضل ثلاثة شباب، وكانوا قد عاصروا مرحلة ثرية في الستينيات، ومارسوا التجريب لمدة ثلاثة أعوام في تخصصات مختلفة، استمرت الفرقة، على مدار 47 عاما في صنع الخيال بمهارة، وفي تقديم عروضها الصامتة، بعيدا عن نمط مسرح القناع المعاصر، فالفرقة لا تروي إلا قصصا بصرية بلا موسيقى وبلا ديكور فلا شىء سوى أشياء وأجسام، تدور أمام خلفية سوداء مكونة عرضًا خفيفا.